الشيخ عبد الغني النابلسي

120

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

المنفوخة فيه هي حقيقة نفث روح القدس في روعه كما قال عليه السلام « نفث روح القدس في روعي » « 1 » الحديث . والنطق على قسمين نطق اللسان وهو منبعث عن القلب ونطق القلب . فنطق القلب منبعث عن الروح الأمري فهو في أصحاب القلوب وحي يوحى ، وفي أصحاب النفوس وسوسة ، ثم إن آدم عليه السلام لما توجه على حواء في وقت إيداع نطفته في رحمها نطق قلبه ، بما نفث في روعه من الوحي الأمري ، فكانت نطفته بمنزلة العبادة اللفظية فترجمت معنى الوحي النفثي ، وكان هذا أوّل ما صدر في النوع الإنساني . ولهذا سماه شيثا عليه السلام ، وشيث معناه العطية ، يعني عطية اللّه تعالى . ولما ظهر روح القدس في صورة بشر لمريم عليهما السلام ، ونفخ فيها ، خرج مع نفخه رطوبة من فم الصورة البشرية كما سيأتي في موضعه إن شاء اللّه تعالى ، فكان عيسى مخلوقا عن نفث أمري نظير شيث عليه السلام إلا أن شيث عليه السلام كان عن نفث في نبي نفثا باطنيا ، وعيسى عليه السلام عن نفث في ولي نفثا ظاهريا ، فعيسى كلمة اللّه الظاهرة وشيث كلمة اللّه الباطنة . ولهذا قال في كلمة شيثية فنسب شيث عليه السلام إليها . اعلم أنّ العطايا والمنح الظّاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين : منها ما تكون عطايا ذاتيّة وعطايا أسمائيّة وتتميّز عند أهل الأذواق . كما أنّ منها ما يكون عن سؤال في معيّن وعن سؤال في غير معيّن . ومنها ما لا يكون عن سؤال . سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائيّة . فالمعيّن كمن يقول : يا ربّ أعطني كذا فيعيّن أمرا ما لا يخطر له سواه ، وغير المعيّن كمن يقول : يا ربّ أعطني ما تعلم فيه مصلحتي من غير تعيين لكلّ جزء من ذاتي من لطيف وكثيف .

--> ( 1 ) جزء من حديث رواه الطبراني في الكبير ، برقم ( 7694 ) [ 8 / 166 ] . وتتمته : « أن نفسا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية اللّه فإن اللّه لا ينال ما عنده إلا بطاعته » .